ابن أبي العز الحنفي

128

شرح العقيدة الطحاوية

كان ممتنعا منه . وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة ، بل هو شيء واحد لازم لذاته . وأصل هذا الكلام من الجهمية ، فإنهم قالوا : ان دوام الحوادث ممتنع ، وانه يجب أن يكون للحوادث مبدأ ، لامتناع حوادث لا أول لها ، فيمتنع أن يكون الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئة ، بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك ، لان القدرة على الممتنع ممتنعة ! وهذا فاسد ، فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث ، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ممكنا ، والامكان ليس له وقت محدود ، وما من وقت يقدر الا والامكان ثابت فيه ، وليس لامكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه ، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا ، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه ، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها . قالت الجهمية ومن وافقهم : نحن لا نسلم أن امكان الحوادث لا بداية له ، لكن نقول ؛ امكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له ، وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع ، [ بل ] يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها ، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه ، فامكان الحوادث شروط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له ، بخلاف جنس الحوادث . فيقال لهم : هب انكم تقولون ذلك ، لكن يقال : امكان جنس الحوادث عندكم له بداية ، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا ، وليس لهذا الامكان وقت معين ، بل ما من وقت يفرض الا والامكان ثابت قبله ، فيلزم دوام الامكان ، والا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الامكان من غير حدوث شيء . ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث ، أو جنس الفعل ، أو جنس الاحداث ، أو ما أشبه هذا من العبارات - من الامتناع إلى الامكان ، وهو مصيّر ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد ، وهذا ممتنع في صريح العقل ، وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي ، فان ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة ، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين ، فإنه ما من وقت يقدّر الا والامكان ثابت قبله ، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكنا ، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا ! وهذا أبلغ في